مستجدات مباريات التوظيف والمباريات المرتقبة في الشهور الاخيرة من 2023 وبداية 2024      جديد الماستر 2023 (تحديث 18/10/2023)      جديد سلك الدكتوراه 2023 (اعلان نتائج الانتقاء كليات الاداب والعلوم- مواعيد اجراء الاختبارات الشفوية)      الاخبار القانونية في دقيقة...!! (13/10/2023)      العدالة الرقمية وعدم هدر الزمن القضائى

جرائم البيئة بين إقرار المسؤولية وتحديد الضحايا

 جرائم البيئة_بين إقرار المسؤولية وتحديد الضحايا


السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته مرحبا بكم من اهم مواضيع الساعة والتي مؤكد سيكون لها وقع على الامتحان لان هذه السنة كانت بامتياز سنة سن قوانين وحملات كثيرة للمحافظة على البيئة والموضوع هو شامل حول هذا الطرح.






لا بأس من الإشارة منذ الوهلة الأولى، إلى كون تقييم المقاولات لم يعد يعتمد على رقم الأعمال الذي تحققه فحسب، ولم تعد كذلك تعتمد في بناء سمعتها على مراكزها المالية فقط، بل ظهرت مفاهيم حديثة تساعد على خلق بيئة عمل قادرة على التعامل مع التطورات المتسارعة في الجوانب الاقتصادية والتكنولوجية والإدارية عبر أنحاء العالم، وكان أبرز هذه المفاهيم مفهوم المسؤولية الإجتماعية للمقاولة[1]. 

  وفي واقع الأمر، إن كان مفهوم المسؤولية الإجتماعية للمقاولة من المفاهيم الحديثة والتي حظيت باهتمام دولي محض، فإنه ما زال يكتنفه غموض وعدم دراية لتحديده بشكل دقيق، وذلك نظرا لطابعه المتعدد الأبعاد الذي يخلق أحيانا بعض اللبس في علاقة المسؤولية الإجتماعية بالتنمية المستدامة وبالاقتصاد الأخضر. 

  إن تحديد مفهوم المسؤولية الإجتماعية للمقاولة قد يبدو صعبا لكونه مفهوما حديثا بالمقارنة مع الأنواع العديدة من المسؤوليات والتي ألفنا الحديث عنها من قبيل المسؤولية الأخلاقية والأدبية، المدنية ثم الجنائية، كما أنه في إطار قانون الشغل ألفنا الحديث عن نوع واحد ألا وهو المسؤولية القانونية لصاحب العمل أو العمال[2]. 

  وبالرغم من محاولة العديد من الفاعلين صياغة تعريف خاص للمسؤولية الإجتماعية للمقاولات فإن التعريف الأكثر قبولا هو التعريف الذي قدمته مؤخرا منظمة العمل الدولية مفاده : "أن المسؤولية الإجتماعية للمقاولة تترجم الطريقة التي من خلالها، تأخذ المقاولات في الاعتبار آثار أنشطتها على المجتمع، وترسيخ مبادئها وقيمها سواء عن طريق تطبيق مناهجها وعملياتها الداخلية أو في علاقتها مع الفاعلين الآخرين، فهي بمثابة مبادرة طوعية تحتل فيها المقاولات مركزا رئيسيا وتتعلق بأنشطة تتجاوز مجرد احترام القانون".[3] 

  ويعتبر مفهوم المسؤولية الاجتماعية أشمل من المقاولة المواطنة، لأن هذه الأخيرة تكتفي بما يلزمها به القانون في حين أن المسؤولية الاجتماعية هي تطوع ومشاركة في التنمية بأعمال اجتماعية وبيئية تساهم في تحسين ظروف عيش للإنسان وتحافظ على البيئة باعتبارهما من معايير الجودة التي تكسب المقاولة سمعة طيبة وسط المتعاملين معها. علما أن تنامي الوعي لدى المستهلك يحاصر الشركات والمقاولات التي أصبحت مجبرة على الاختيار بين الانخراط في تحمل مسؤوليتها الاجتماعية أو الانهيار[4]. 


 كما أن القاعدة أنه لا يسأل جنائيا غير الإنسان، فالإرادة هي قوام الركن المعنوي، وهي صفات لصيقة بالإنسان، غير أن هذه القاعدة يرد عليها استثناء يتعلق بالمسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية، بعد تزايد دور هذه الأشخاص في الآونة الأخيرة، واتسعت دائرة نشاطها مما دفع بالتشريعات إلى معاملتها معاملة قانونية متميزة خصوصا فيما يتعلق بالمسؤولية الجنائية عن نشاطاتها التي تؤدي إلى إلحاق إضرار بالبيئة بالإضافة إلى كونها تخلف ضحايا عن الجريمة البيئية. 

  انطلاقا مما سبق، سنتناول بالتحليل للمسؤولية الجنائية للأشخاص الذاتية والمعنوية عن الجريمة البيئية وذلك في (المبحث الأول)، على أن نعرض في (المبحث الثاني) لضحايا الإجرام البيئي. 

المبحث الأول: المسؤولية الجنائية  للأشخاص عن جرائم البيئة 
   إذا توافرت أركان الجريمة على النحو السابق بيانه، وكان السلوك الإنساني يتطابق والنموذج القانوني لجريمة من الجرائم المنصوص عليها في القانون الجنائي، أو القوانين المكملة له، ثار البحث في تحديد المسؤولية الجنائية، وفي نوع الجزاء الجنائي الذي يستحقه مرتكبها. 
  فالبحث إذن في وقوع الجريمة سابق على البحث في المسؤولية الجنائية، كما أن البحث في المسؤولية الجنائية، سابق على تحديد الجزاء الجنائي لمرتكبها، بمعنى آخر، أن الجريمة مقدمة أو يمكن اعتبارها سبب أو مناط موجب للجزاء الجنائي. 
  فواضح أن المسؤولية الجنائية تربط بين الجريمة من ناحية وبين الجزاء الجنائي، فلا تقوم بالتالي المسؤولية الجنائية حيث لا تقع الجريمة، ولا يوقع الجزاء الجنائي حيث تنتفي المسؤولية الجنائية. 
  هذا ويقصد بالمسؤولية الجنائية، ذلك الأثر القانوني المترتب على الجريمة كواقعة قانونية، وتقوم على أساس تحمل الفاعل للجزاء  الذي  تفرضه القواعد  القانونية، ـ حسب من المجموعة الجنائية ويسأل الشخص جنائيا في القانون المغربي 132مقتضيات الفصل 
ـ صلاحية فاعل الجريمة بتحمل العقوبة المقررة لها قانونا[5]. 
أو بمعنى آخر، التزام مرتكب جريمة التلوث البيئي بالخضوع للأثر الذي ينص عليه القانون كجزاء على ارتكاب الجريمة، وهو الخضوع للعقاب. 
  ومع ذلك، فإن تطور النظام القانوني وبروز معطيات جديدة في ميدان المسؤولية، والرغبة في توفير حماية فعالة سواء على المستوى الوطني أو الدولي، والتي تقتضيها بعض المصالح المشروعة، ضد بعض صور الإجرام الخطيرة والمعقدة، خاصة على المستوى البيئي، وهو ما يعرف بجرائم المشروعات الاقتصادية والمؤسسات الصناعية[6]. 

  ونظرا لما سبق، دعت الحاجة إلى الخروج عن مبدأ شخصية المسؤولية، وشخصية العقوبة، المبنيان على أساس حرية الإرادة، إلى مسؤولية وعقاب أشخاص لم يكونوا فاعلين للجريمة، ولا مشتركين في إحداثها، وهو الذي أصبح يعرف بفكرة المسؤولية الجنائية عن فعل الغير المبنية على أساس الخطورة الإجرامية لنشاطاتهم. 
  لذلك نرى ومن أجل الإلمام بذلك، ضرورة التطرق إلى المسؤولية الجنائية للشخص الطبيعي وفق (الفرع الأول)، على أن نعرض بالتحليل للمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي وذلك في (الفرع الثاني). 

الفرع الأول: المسؤولية الجنائية للشخص الطبيعي 

  إن البحث في أحكام المسؤولية الجنائية للشخص الطبيعي، عن الجريمة البيئية تتميز بمجموعة من الخصوصيات، بالنظر إلى أن هذه الجريمة قد يقترفها أشخاص أو أفراد ذاتيون، أو قد يقترفها أشخاص يشتغلون داخل مؤسسة اقتصادية، ـ باعتبارها شخصا معنويا خاصا ـ، ولكن تبقى المسؤولية في هاته الحالة، مسندة إلى ممثل هذا الشخص عن أعمال أو أفعال اقترفها أحد التابعين له، وبذلك فإن المسؤولية الجنائية للشخص الطبيعي تتفرع إلى صنفين، المسؤولية الجنائية للأشخاص الذاتيين ـ فقرة أولى ـ، و المسؤولية الجنائية لممثل الشخص المعنوي ـ وفق فقرة ثانية ـ. 

الفقرة الأولى: المسؤولية الجنائية للأشخاص الذاتيين 

 من ق ج. يسأل الشخص جنائيا في القانون المغربي عن:132  استنادا لمقتضيات المادة 
)ـ الجنايات والجنح والمخالفات التي يرتكبها شخصيا (فاعل مادي) أو بالواسطة (فاعل 1 
معنوي) أو يكون مساهما فيها. 
)ـ المشاركة في ارتكاب أي جناية أو جنحة دون المخالفات.2 
)ـ المحاولة في الجنايات مطلقا، وفي بعض الجنح إذا نص المشرع صراحة على المساءلة3 
 عن محاولاتها استثناء، أما المخالفات فلا مساءلة عن المحاولة فيها، وكل ذلك بالشروط  من القانون الجنائي[7].133 الواردة في الفصل 

  فالشخص الذاتي ـ الطبيعي، هو الإنسان، فهو وحده الذي يتمتع بنعمة العقل والإدراك، ويملك القدرة على حرية الإرادة، أما الحيوان والجماد فلا مسؤولية جزائية عليهما، ولا يوصف ما ينتج عن حركتهما من حوادث بوصف الجريمة، ذلك أن غير الإنسان ليس مخاطب بالقاعدة الجزائية[8]. 
  وللحديث عن المسؤولية الجنائية للشخص الطبيعي عن الجرائم البيئية، ينبغي التطرق إلى نقطتين المبدأ وهو: شخصية المسؤولية الجنائية (أولا)، والاستثناء، المسؤولية الجنائية عن فعل الغير ـ ممثل الشخص المعنوي ـ (ثانيا). 

 شخصية المسؤولية الجنائية 

 ق ج، فإن المسؤولية الجنائية هي مسؤولية شخصية،  132  وفق نص المادة أعلاه ـ 
وهذا ما هو مقرر ومعمول به في الأنظمة القانونية المقارنة، تماشيا مع المبدأ التقليدي للقانون الجنائي، الذي مفاده: "لا أحد يعاقب إلا عن فعله الشخصي"[9] كما أنه في موضوع القانون الجنائي للبيئة، نجد أن الجرائم المعاقب عليها بمختلف النصوص البيئية، هي مبدئيا  تسند إلى أشخاص طبيعيين، انسجاما مع المبدأ المشار إليه أعلاه[10]. 
  ومن الصور التي تبين بشكل أوضح مدى التقيد بهذا المبدأ في إسناد المسؤولية الجنائية للأشخاص الذاتيين، الجرائم التي تتم بمخالفة قواعد القنص، كالقيام بممارسة هذا النشاط في فترة يمنع فيها ذلك، أو العمل على اصطياد بعض الأصناف من الطيور، أو الحيوانات التي  ، كما يندرج في هذا 1923 يقع عليها الحظر، حسبما هو منصوص عليه بمقتضى ظهير 
الصنف من الجرائم، القيام بجني أو قطف أنواع من النباتات المحمية[11]. أو الصيد على نحو .1973 مخالف لمقتضيات ظهير 
 المتعلق بحفظ الغابات واستغلالها. من القوانين الأكثر 1917 أكتوبر 10  هذا ويعد قانون 
تعبيرا عن إسنادها للمسؤولية الجنائية لأفراد ذاتيين[12]. إذ يتبين من خلال استقراء الفصول المتضمنة للمقتضيات الزجرية ـ وهي كثيرةـ، توجيه الخطاب إلى أشخاص غالبا ما يقومون  الذي 34 باستغلال الغابة، أو يمارسون أنشطة داخلها، كما هو منصوص عليه في الفصل 
جاء فيه: " كل من حرث أو زرع أو غرس أرضا من أراضي الغابة يحكم عليه بذعيرة 
 فرنك عن كل هكتار محروث أو مزروع أو مغروس، 12.000 إلى 2.000 تتراوح من 
 إلى 5.000 كما يحكم على كل من غرق وأحيا بعض الأراضي منها بذعيرة تتراوح من 
 فرنك عن كل هكتار وقع غرقه وإحياؤه. وإذا وقع الحرث والزرع والغرس فيها24.000 
بمجرد الإحياء والغرق فلا يحكم إلا بالذعيرة الواجبة عن الأحياء، ومن تكررت منه المخالفة بالحرث والزرع والغرس فيحكم عليه بخمسة إلى ثمانية أيام سجنا. ومن عاد إلى المخالفة بالإحياء والغرق فيمكن أن تصدر عليه عقوبة تتراوح من ثمانية أيام إلى شهرين سجنا وزيادة على ذلك يحكم عليه بحجز حصاده". 
  والجدير بالذكر، أن هذا الصنف من الجرائم لا يطرح إشكالا كبيرا على مستوى التثبت منها، ومتابعة المقترفين لها، فالمخالفة تتشكل في أحيان كثيرة بتحقق الركن المادي لها، حتى في غياب قيام الدليل على الركن المعنوي[13]، وهذا ما تأخذ به المحاكم في الغالب، لأن طبيعة هذه الجرائم ذات صبغة مادية صرفة. وبذلك فإنه لا يمكن للظنين التملص من الإدانة، بدعوى حسن نيته، وتبقى القوة القاهرة، هي السبب الوحيد الكفيل بالإعفاء من المسؤولية، إذ الأمر هنا يتعلق بمسؤولية جنائية موضوعية، من حيث المبدأ، باستثناء بعض الجرائم التي تستلزم توفر القصد الجنائي، لقيام المسؤولية الجنائية[14]، كما في حالة الإحراق ، أو تعمد إتلاف علامات المطارق 56 العمدي للغابة، المنصوص عليه في الفصل 
 الذي جاء فيه: " كل من قلد 1917 أكتوبر 10 من ظهير43 المنصوص عليها في الفصل 
المطارق المعدة لعلامات إدارة الغابات أو استعمل مطارق مقلدة أو استعمل المطارق الحقيقية زورا يعاقب بالسجن من ستة أشهر إلى سنتين، كما يعاقب بالسجن من ثلاثة أشهر إلى سنة واحدة كل من قصد إتلاف علامات المطارق كل هذا زيادة على المطالبة بالتعويضات في مقابلة ما يحصل من الخسائر والأضرار". 

  ويرى بعض الباحثين[15] أن تطبيق مبدأ شخصية المسؤولية الجنائية تكتنفه بعض الصعوبات من الناحية العملية، ذلك أن تحديد الفعل الشخصي الذي يقود إلى تعيين الأشخاص الطبيعيين المسؤولين عن الجريمة ليس أمرا سهلا خاصة فيما يتعلق بجرائم تلويث البيئة، التي يصعب بشأنها تحديد مصدر معين أو فعل محدد باعتباره المسبب الأصلي والوحيد لها، وبالتالي تحميل مرتكبيه مسؤولية النتائج المترتبة عليه. 
  ومن تم فإن تحديد الشخص الطبيعي المسؤول جنائيا عن الجريمة البيئية قد يتم بواسطة: 
. الإسناد القانوني: هو طريقة يتولى فيها القانون أو اللائحة تحديد صفة الفاعل أو تعيين 1 
شخص أو عدة أشخاص كفاعلين للجريمة، بصرف النظر عن كون هذا الشخص هو مرتكب الأفعال المادية المكونة للجريمة أم لا، وأيا من كان الفاعل للجريمة فإن الشخص 
الذي يحدده النص التشريعي يظل مسؤولا جنائيا عن الجريمة في جميع الأحوال[16]. 
  فتقدير المسؤوليات في إطار الجرائم البيئية التي ترتكب في إطار أنشطة مهنية يكون غاية في الصعوبة  بسبب المشاكل التي يثيرها فيما يخص تحديد المسؤولية الجنائية ، لذلك يلجأ      من ق. البيئة 541/48 المشرع إلى تحديد المسؤول سلفا، على سبيل المثال المادي 
الفرنسي تحمل المسؤولية لكل من كان مكلفا بمهمة الإدارة والتسيير بمقاولة أو مؤسسة[17]. 
. الإسناد المادي: تقوم المسؤولية الجنائية وفق هذا الإسناد عندما ينسب لشخص ما الفعل 2 
المادي سواء كان إيجابيا أو سلبيا المكون للجريمة البيئية، حيث يعتبر مسؤولا عن الجريمة البيئية كل شخص طبيعي يرتكب النشاط المادي المكونة للجريمة بنفسه أو مع غيره، أو الشخص الذي يمتنع عن اتخاذ التدابير والإجراءات التي تقتضيها مختلف القوانين واللوائح[18]. حيث أن نصوص التجريم في هذا الإطار تستخدم عبارات فضفاضة وعامة من قبيل "كل شخص"، من "تسبب" أي الفاعل المادي للجريمة البيئية. 
. الإنابة في الاختصاص: تعني أن يقوم صاحب العمل أو مدير المؤسسة أو المنشأة، 3 
باختيار شخص مسؤول عن كافة المخالفات المرتكبة أثناء أو بسبب الأنشطة التي تمارسها المنشأة أو المؤسسة، وذلك من بين الأشخاص العاملين لديه، وتحميله، تبعا لذلك المسؤولية الجنائية عن هذه المخالفات[19]. 
  لكن هذه الإنابة يجب أن يتوافر فيها مجموعة من الشروط[20]: 
ـ ألا يمنعها القانون. 
ـ أن تكون المقاولة  على قدر من الأهمية، بحيث لا تمكن المسؤولين من التسيير لوحدهم. 
ـ غياب رئيس المقاولة. 
ـ أن تكون الإنابة محددة ومحدودة. 
ـ قبول النائب للنيابة وتوفره على الكفاءة ليقوم بمهامه. 

 الفقرة الثانية: المسؤولية الجنائية لممثل الشخص المعنوي 

   تقوم المسؤولية الجنائية، وفقا لمبدأ الشرعية الجنائية، على مبدأ شرعية العقوبة، فمن لا يساهم في الجريمة يظل بمنأى عن العقوبة. غير أن مبدأ المسؤولية الجنائية الشخصية الذي لا يسأل في إطاره أحد جنائيا إلا عن أفعاله الخاصة، أصبح يتراجع ويندثر تدريجيا لصالح مبدأ آخر هو المسؤولية عن فعل الغير[21]. 
  وهذا راجع بالضرورة مدلول الشخص الجاني يتسع ليستوعب إلى جانب مفهوم الشخص الطبيعي، مفهوم الشخص الاعتباري، هذا الأخير الذي يظل مساهما في الجريمة بسبب تقصيره في الإشراف على معاونيه، أو لعدم احترازه في اتخاذ إجراءات الحيطة والوقاية الواجبة لتفادي أخطار ومضار التلوث البيئي، أو في مجرد السلوك المادي الناجم عن إحدى العاملين به والمخالف للقرارات واللوائح العامة. 
  ويطلق على هذا النوع من المسؤولية، المسؤولية الجنائية عن فعل الغير، أو المسؤولية الموضوعية أو المفترضة أي مسؤولية الشخص الذي لم يسهم في الجريمة بصفته فاعلا أو شريكا ويعد من الناحية المادية غريبا عن الفعل الإجرامي إذ تنتفي رابطة المساهمة المادية، ومع ذلك تثور مسؤوليته المفترضة بنص القانون[22]. 
  ومن خلال العرض السابق نرى ضرورة تقسيم هذه الفقرة إلى عنصرين هما: 
ـ مبررات المسؤولية الجنائية عن فعل الغير في جرائم تلويث البيئة.1 
ـ شروط تطبيق المسؤولية الجنائية عن فعل الغير في جرائم تلويث البيئة. 2 

  معلوم أن الاجتهاد القضائي الفرنسي كرس منذ وقت طويل في القرار المعروف بقرار 
  [23]مسؤولية القائم على أعمال الشخص المعنوي في حالة المساس بالبيئة.  wiederkehr 
   وهكذا فقد جاء في أحد قرارات محكمة النقض الفرنسية بأن: "وظيفة رئيس المؤسسة تفرض عليه المساهمة المباشرة والمستمرة في كل أعمال مؤسسة، وعليه أن يتأكد شخصيا من تنفيذ التعليمات التي يصدرها تحت مسؤوليته الشخصية، وعليه مراقبة التنفيذ شخصيا، ما لم يثبت أنه كلف تابعا منحه الصلاحية والسلطة اللازمتين لفرض احترام الأنظمة[24]. 
   ويرى البعض[25] أن القانون الجنائي للبيئة، لا يمكنه أن يشكل الاستثناء من قاعدة (شخصية المسؤولية والعقوبة) هاته الأخيرة تمنع معاقبة من لم ينجز مجموع أركان الجريمة، أو أفعال المساهمة أو المشاركة. 
    غير أن الاعتداءات المتكررة والخطيرة التي تهدد المجال البيئي، وهي في أغلب الأحيان، يكون وراءها المقاولات الصناعية، يجعل التشبث بهذا المبدأ محل نظر. خصوصا إذا علمنا أن الإجرام البيئي أصبح يتخذ أبعادا خطيرة وطنيا ودوليا، قد لا يسعف التمسك بالمبادئ التقليدية للقانون الجنائي[26]، في زجر مرتكبي هذه الجرائم، وعليه فبعض الفقه الحديث يسير في اتجاه إقرار المسؤولية الجنائية لرؤساء المقاولات، ولو عن أفعال لم يرتكبوها شخصيا، ولكن هي في الأصل، ناتجة عن إهمالهم، وتقصيرهم في مراقبة تابعيهم، ومراعاة المعايير اللازم التقيد بها في مجال التقليل من التلوث[27]. 

   فضلا عن ذلك المشرع الجزائري واقتداء بالمشرع الفرنسي والمصري قد وسع من مفهوم المساهمة الجنائية في جرائم تلويث البيئة وذلك لغرض فرض المزيد من الحماية الجنائية للبيئة، باعتبار هذه الأخيرة من المصالح الحيوية التي ينبغي مراعاتها. مما يوحي بالتوسع من قبله في الأخذ بهذا الإسناد خاصة وأن له أهمية خاصة على مستوى الإجرام البيئي. 

  وبذلك أصبح إقرار المسؤولية الجنائية عن فعل الغير، يقوم على أساس مفهوم الخطر، فكل جريمة تقوم على سير أو عمل المقاولة، سبب في قيام المسؤولية الجنائية لرئيسها، في ظل خطر نتج عن طريق نشاط المقاولة، بمعنى آخر، لأنه يدير مؤسسة تحمل خطر المساس بالقيمة المجتمعية للبيئة. حيث يتحمل تبعا لذلك كل سلوك مسيء للبيئة ارتكب بداخلها. ذلك أن من له فعليا سلطة الإدارة في المقاولة، يجب أن يقبل نتائج هذا التنظيم المعيب، باعتبار أن الخطأ المسند لرئيس المقاولة في هذا الإطار، يقوم على أساس إهمال خاص من جانبه، كمخالفة الأنظمة المتعلقة بالمقاولة أو غيرها من المخالفات المرتبطة بنشاطها، تكون سببا في حصول الجريمة[28]. 
   هذا علاوة على أن خطأ ممثل الشخص المعنوي الذي يستتبع قيام مسؤوليته، قد يستند أيضا على وجود إهمال عام من جانبه، له علاقة سببية بحدوث النشاط المجرم، وهذا يعزى إلى أنه في أحيان كثيرة، قد لا يكتفي التحلي بالحذر العادي، بل يتطلب حذرا خاصا، بالنظر إلى ما يتضمنه النشاط من مخاطر على المصالح المحمية[29]. وعليه فإن التوسع في مفهوم إسناد المسؤولية الجنائية لرئيس المقاولة، قد يسعف بعدم الوقوف عند الأجير وحده. نضف إلى ذلك فإن واقعية القانون الجنائي تقتضي عدم الاكتفاء بمتابعة المسؤول الظاهر وحده، بل البحث أيضا حتى على الشخص المخطئ والمسؤول الحقيقي. 
   كما أن الواجب في حالة التفويض، لم يعد يقع على الرئيس، بل تم نقله إلى غيره، ونتيجة ذلك تنتقل أيضا المسؤولية المرتبطة بالإخلال به، إذ إن الرئيس نقل بعض المهام إلى المفوض له، ولم يعد يمارسها شخصيا ـ وعليه فإن ارتباط المسؤولية بالوظيفة أو المهمة، يقتضي إبعاد المسؤولية عنه بخصوص الجرائم المرتكبة من جراء نشاط الشخص المعنوي الذي يديره مباشرة، وفق نفس الأساس الذي كانت تسند بموجبه إلى الرئيس[30]. 

    ومن الأمثلة على هذا النوع من المسؤولية الجنائية ـ عن فعل الغير ـ ما أخذ به الفصل  1917 أكتوبر 10من الظهير المتعلق بالمحافظة على الغابات واستغلالها، الصادر في 45 
والذي يقرر " بقطع النظر عن العقوبات التي يتعرض لها المتهم أو المشاركون في جناية أو جنحة أو مخالفة إحراق الغابة، يمكن أن تفرض على القبيلة أو القرية غرامة جماعية...[31] 
  وفي نفس السياق، تناولت محكمة النقض المغربية في إحدى قراراتها[32] المسؤولية الج. عن فعل الغير، حيث اعتبرت أن المحكمة عندما قضت بإدانة ومعاقبة العارض رغم التنصيص في محضر المخالفة على أن فعل الحرث والتعشيب تم من طرف عمال يعملون تحت إمرته، لم تخالف القانون وكون هؤلاء العمال إنما يندرجون ضمن وسائل تنفيذ  تقضي بمسؤولية 10/10/1917لفعلي الحرث والتعشيب علما أن مقتضيات ظهير 
المخالف العارض جنائيا سواء اقترف بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كما أدانت الغرفة الجنائية لمحكمة النقض[33] رئيس المقاولة بالرغم من أنه في عطلة وكان غائبا وقت الحادثة، لأنه لم يعلم موظفيه ولم يزودهم بالوسائل الكفيلة بتمكينهم من التعامل مع أخطار التلوث الذي أصاب مجاري المياه. 
  وحسب بعض الفقه الفرنسي[34]، فإن المسؤولية الجنائية للمسير لا تخرج في الحقيقة مسؤولية الأجير أو التابع الذي سبب سلوكه أو خطورة الجريمة، حيث أكد على أن كلا منهما ينبغي أن يدانا ويتابعا جنائيا، على أنه استثناء قد لا يسأل المسير إذا كان الأجير أو التابع تسبب في المخالفة بسبب رعونته وعدم احتياطه ولم يلتزم بتعليمات رئيسه[35]. 
  إن الأخذ بهذا الأسلوب من المساءلة[36] أصبحت تستدعيه اعتبارات عملية وواقعية، بمؤاخذة المسؤولين الرئيسيين عن المساس بالبيئة، بافتراض رئيس المقاولة مسؤولا عن المخالفة المرتكبة ضد البيئة، ولو ارتكبت من طرف الأجير. ولكن هذا لا يعني أن هذا الأخير يبقى في منأى عن المساءلة الجنائية، بل يمكن أن يؤاخذ كفاعل أصلي، ورب العمل  من ق ج، كما في حالة نقل مواد خطيرة على البيئة.129 كمساهم، حسب مقتضيات الفصل    وعليه فإذا كان مقررا من خلال ما سبق، قيام مسؤولية ممثل الشخص المعنوي، فماذا عن مسؤولية هذا الشخص وبمعزل عن ممثله القانوني؟ 
الفرع الثاني: المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي عن الجرائم البيئية 

     إن الشخصية المعنوية تعني اعتراف المشرع بالشخصية القانونية لعدد من الأشخاص تعمل على تحقيق هدف مشترك، أو مجموعة من الأموال المرصودة لبلوغ غاية محددة[37]. 
 هذا وقد أثارت مسألة مساءلة الشخص المعنوي جنائيا جدلا فقهيا بين مؤيد ورافض، فالأول ـ الرافض ـ، مثله اتجاه المذهب التقليدي[38] في القانون الجنائي، يقوم بحصر المسؤولية الجنائية في الأشخاص الطبيعيين، على أساس الإنسان يتمتع بملكات ذهنية وعقلية تمثل هي الأخرى شروط تحمل المسؤولية الجنائية. أما الشخص المعنوي فهو ليس إلا افتراض من صنع القانون، وليس حقيقة.[39] 
  وفي مقابل الاتجاه التقليدي يذهب الاتجاه الفقهي الحديث إلى الاعتراف بالمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي محاولا تفنيد حجج الفريق الأول،  وقد استند أنصار الاتجاه الحديث على أن طبيعة الشخص المعنوي لا تتناقص مع تقدير المسؤولية الجنائية، فوجوده حقيقة وليس مجرد وهم، ويستدل على ذلك بما يتمتع به من إرادة خاصة به مستقلة ومنفصلة عن إرادة كل عضو فيه، كما أن له كيان مستقل وذمة مالية مستقلة ومصالح ذاتية خاصة به والدليل على ذلك الأهلية التي يتمتع بها والتي تظهر على الخصوص في صلاحيته لكسب الحقوق والتحمل بالالتزامات أن الأنشطة التي يقوم بها تكون لحسابه وباسمه، بل قد تكون في كثير من الأحوال ضد مصالح الأعضاء المكونين له[40]. 
أما فيما يخص مبدأ شخصية أو حتى تفريد العقوبة فإنه لا يتناقض مع إقرار مسؤولية الشخص المعنوي، على اعتبار أن العقوبة توقع على الشخص المعنوي وحتى وإن امتدت آثارها إلى أعضاء الشخص المعنوي فبصفة غير مباشرة يضاف إلى ذلك أن القائلين بعدم ملاءمة العقوبة الجنائية لطبيعة الشخص المعنوي، فذلك ليس سببا للرفض مسؤولية الشخص المعنوي[41]، فهناك العديد من العقوبات التي يجوز تطبيقها على الأشخاص المعنوية كالغرامة والمصادرة والإغلاق أو حل الشخص المعنوي أو إيقاف النشاط لفترة زمنية معينة[42]. 

  وقد أقرت التشريعات الجنائية مسؤولية الشخص المعنوي الجنائية على سبيل الاستثناء، لأن الأصل أن الشخص الطبيعي وحده هو الذي يسأل جنائيا، لم ينص المشرع على مسؤولية الشخص المعنوي جنائيا بنص خاص، والمشرع المغربي حدد موقفه في هذا 
 الإطار بكل وضوح، ونص في الفصل 126 ق ج. على :" تطبيق العقوبات والتدابير 
الوقائية المقررة في هذه المجموعات، على الأشخاص الذاتيين". 
  وبهذا يتضح أنه لا يسلم بالقاعدة العامة التي تقضي بالمسؤولية الجنائية للأشخاص الاعتبارية، لكن هذا لم يمنعه من مسايرة التطور الحاصل في الموضوع من حيث النص 
 على العقوبات الزجرية التي تلائم هؤلاء الأشخاص، ولهذا نجده ينص في الفصل127 
على أنه يحكم عليها ب: 
ـ العقوبات المالية كعقوبة أصلية. 
ـ بالمصادرة والحل، ونشر الحكم كعقوبات إضافية. 
ـ بالتدابير الوقائية العينية وهي: إغلاق المؤسسة، ومصادرة الأشياء الضارة أو الخطيرة أو المحظور امتلاكها.[43] 
  والحقيقة أن قوانين البيئة عرفت هذا النوع من المسؤولية الجنائية على نطاق واسع إذا ما قورنت بالقوانين المادية، وما ذلك إلا لأن كثيرا من الجرائم البيئية ترتكب من قبل الأشخاص المعنوية. 
  ويرجع إقرار المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي والتي تعد مسألة في غاية الأهمية نظرا للأسباب التالية: 
ـ التطور الصناعي والاقتصادي أدى إلى تعاظم دور الأشخاص المعنوية، حيث أضحت الحياة الاقتصادية ترتكز في العصر الحديث على المشروعات الضخمة والمنشآت العملاقة، تلك المشروعات التي تتميز باتساع نشاطها واعتمادها على الأدوات والمعدات والآلات والمواد المسببة للتلوث والمضرة بالبيئة. 
ـ كون المؤسسات الصناعية والاقتصادية تظم أطرا فنية وإدارية متعددة، فتتشابك الاختصاصات على نحو يصعب معه تحديد المساهمين في الجريمة البيئية، الأمر الذي يؤدي إلى إفلات الفاعلين الأصليين للجريمة. 
ـ هذه المسؤولية تشكل وسيلة ضغط هامة على المؤسسات الصناعية والاقتصادية لكونها ستكون مهددة بجزاءات جنائية شديدة في حالة إضرارها بالبيئة.[44] 

  معلوم أنه لكي يتم تطبيق المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي، يلزم توافر شرطين أساسيين: 

الشرط الأول: ارتكاب الجريمة من شخص طبيعي له حق التعبير عن إرادة الشخص المعنوي 

   نظرا لطبيعة الشخص المعنوي فانه لا يتمكن من ممارسة نشاطه إلا من خلال أشخاص طبيعيين يمثلونه ويعملون باسمه. وقد نصت المادة121-2 من قانون العقوبات الفرنسي[45] والمادة 129 من القانون الجنائي الاسباني[46] على تمثيل الشخص المعنوي وهذا الممثل يمكن أن يكون شخصا واحدا أو مجموعة من الأشخاص وذلك طبقا لطريقة تنظيم وهيكلة الشخص المعنوي. 
   وتجدر الإشارة إن ثبوت المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي لا تعفي من متابعة الشخص الطبيعي ممثل الشخص المعنوي وهو ما أكده القانون الفرنسي في الفصل السالف[47]. 
   وفي هذا الإطار طالب بعض المهتمين[48] بضرورة التمييز بن مسؤولية الشخص المعنوي والأشخاص الذاتيين المنتمين إليه حتى لا يتخذه ذريعة للتملص من المسؤولية. 

   هذا وقد اختلفت التشريعات في تحديد الأشخاص الطبيعيين الذين يسأل الشخص المعنوي عن سلوكهم الإجرامي، فاقتصر البعض منها على تصرفات أعضاء وممثلي الشخص المعنوي، في حين ذهبت تشريعات أخرى إلى المساءلة عن جميع تصرفات صغار موظفيه 
وتابعيه.[49] 
  فالاتجاه الأول يضيق من نطاق الأشخاص الطبيعيين التي يسأل عن أفعالها الشخص المعنوي ومن هذه التشريعات: التشريع الانجليزي، والفرنسي، هذا الأخير الذي حصر الأشخاص الطبيعيين، الذين يسأل عن أعمالهم الشخص المعنوي في طائفتين: 
الطائفة الأولى: هي أعضاء الشخص المعنوي، والطائفة الثانية تضم ممثلي الشخص المعنوي. 
 فأعضاء الشخص المعنوي هم الأشخاص المؤهلون قانونا ووفق القانون الأساسي، للتصرف والتعاقد باسمه، حيث يتم تكليفهم بأعمال الإدارة أو التدبير أو التسيير للشخص المعنوي، ويقصد بهم (الرئيس، المسير، مجلس الإدارة، الجمعية العامة للشركة أو الجمعية..).[50] 
  أما الممثل فهو الشخص الطبيعي الذي يتوفر على السلطة سواء كانت قانونية أو مبنية على أساس الاتفاق، للتصرف باسم الشخص المعنوي. أما العامل البسيط بمفهومه كشخص عادي في المؤسسة، ليس من المسؤولين عنها، لأن أعمال الهيئة المعنوية لا يمكن أن يقوم بها إلا شخص مفوض وذو صلاحيات محددة، دون العامل أو الموظف البسيط، وأنه في حالة إقرار مسؤولية العامل لابد من وجود تفويض واضع ممنوح له للقيام بأعمال باسم الشركة، عندئذ يصبح بمنزلة الوكيل أو الممثل القانوني للشخص المعنوي. 
 وهذا ما أكدته محكمة النقض الفرنسية، حينما اعتبرت أن الأجراء والعمال الذين تلقوا تفويضا للسلطة من طرف أعضاء الشخص المعنوي يعتبرون ممثلين له، وبالتالي فإذا ارتكب هذا الممثل جريمة بيئية لحساب الشخص المعنوي، فإن مسؤولية هذا الأخير تثار. 
  أما الاتجاه الثاني، فهو الذي يوسع من نطاق الأشخاص الطبيعيين، الذين يسأل الشخص المعنوي جنائيا عن أنشطتهم، بحيث لا تقتصر على الأعضاء والممثلين، بل تمتد لتشمل الموظفين والعمال التابعين له، ومن أمثلة هذه التشريعات: القانون الهولندي، والقانون اللبناني والسوري.[51] 
 ومن جهتنا، نؤيد الاتجاه الموسع لنطاق المسؤولية الجنائية للأشخاص الطبيعيين الذين يرتكبون الجرائم باسم ولحساب الشخص المعنوي، على اعتبار أن من شأنه أن يوفر حماية أوسع وأشمل لعناصر البيئة. 

الشرط الثاني: ارتكاب الجريمة لحساب الشخص المعنوي 

   لكي تتحقق المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي عن الجريمة التي يرتكبها احد الأشخاص الطبيعيين الممثلين له، يتعين أن تكون هذه الجريمة قد ارتكبت لمصلحة ولفائدة الشخص المعنوي وبالتالي تنتفي المسؤولية إذا ما كان يهدف لتحقيق مصلحته الشخصية (الممثل وحده)، أو بهدف الإضرار بالشخص المعنوي[52]. 
   ويقصد بأن ترتكب الجريمة لحساب الشخص المعنوي، أن يستفيد هذا الأخير من النشاط الذي قام به الشخص الطبيعي، أي أن الجريمة ارتكبت بهدف تحقيق مصلحة له. ويستوي أن تكون المصلحة مادية أو معنوية، مباشرة أو غير مباشرة[53]. وهناك من يضيف أن الجريمة ترتكب لحساب الشخص المعنوي، عندما تنفذ من طرف شخص طبيعي لضمان سير أعمال الشخص المعنوي وتحقيق أغراضه. وتطبيق هذا الشرط ينجم عنه أنه حتى إذا توفي الشخص الطبيعي، أو زالت أجهزة الشخص المعنوي، فإن ذلك لا يحول دون متابعة هذا الأخير عن الجريمة التي ارتكبها الشخص الطبيعي لحساب الشخص المعنوي، وإذا استحال التعرف على الشخص الطبيعي الذي ارتكب الجريمة لحساب الشخص المعنوي، وخاصة في جرائم الامتناع والإهمال، وكذا الجرائم المادية التي لا تتطلب توفر النية، تقوم المسؤولية الجماعية لأعضاء الشخص المعنوي، وتطبيق هذا الشرط يطرح تساؤلا فيما إذا كانت المنشأة أو المؤسسة مكونة من عدة فروع ومؤسسة أم، وارتكبت الجريمة لحساب أحد الفروع، فهل يسأل الفرع أم المنشأة الأم؟ 
  هنا لابد من التمييز بين حالتين: الحالة الأولى، إذا كانت المنشأة لا تمارس أي نوع من السيطرة أو التأثير على الفرع، فإن المسؤولية الجنائية تقع على هذا الأخير. 
أما الحالة الثانية: التي تكون فيها المؤسسة الأم هي التي تسيطر وترسم الإطار العام لجميع الفروع، بحيث تعتبر هذه الأخيرة مجرد أداة تنفيذية لإستراتيجية الشركة الأم، فالمسؤولية الجنائية تقع في هذه الحالة على المؤسسة الأم[54]. 
  إلا انه لا ينبغي التسليم بالمسؤولية المطلقة الشخص المعنوي وإلا كان في ذلك مس بأحد أهم ركائز القانون الجنائي ويتعلق الأمر بمبدأ شخصية الجرائم والعقوبات، وقد يحدث ان ترتكب الجريمة من طرف ممثل الشخص المعنوي ولحساب هذا الأخير ورغم ذلك فان القضاء يكيفها على أساس كونها تعريض مصلحة الشخص المعنوي للخطر كما فعل القضاء الفرنسي في تقديم مدير شركة لرشوة بهدف الحصول على صفقة بكونها إساءة استعمال أموال الشركة وهو ما جاء في قرار شهير[55] لمحكمة النقض الفرنسية "إن استعمال الأموال يكون بالضرورة تعسفيا إذا ما تم لهدف غير مشروع". 
  ونظرا لأهمية إقرار مسؤولية الشخص المعنوي الجنائية،فإنه يكون من الضروري التطرق لحدود نطاقها من زاويتين: زاوية الجرائم (الفقرة الأولى) ثم من زاوية الأشخاص (الفقرة الثانية). 

 الفقرة الأولى: من زاوية الجرائم 

    بالرجوع للقوانين المقارنة منذ الوهلة الأولى، نلاحظ اختلاف التشريعات في مسألة الأخذ بنظام مسؤولية الشخص المعنوي الجنائية، ذلك أن التشريع الفرنسي قام بحصر مسؤولية الأشخاص المعنوية في الحالات التي ينص عليها القانون أو اللائحة. وقرر ذلك بموجب الفقرة الثانية من الفصل 121 من ق,ج. الفرنسي الذي دخل حيز التطبيق فاتح 
مارس 1994، هذا بخلاف التشريع المصري الذي لم يقر مبدأ المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي، وإنما اكتفى فقط بإعطاءه لتطبيقات لهما فقط. أما بالنسبة للتشريع المغربي، فمن المعلوم أن مسؤولية الشخص المعنوي ظلت محل خلاف بين الفقهاء والباحثين، إلى أن أقر المشرع مسؤولية الشخص المعنوي جنائيا ضمن المجوعة الجنائية وتحديدا في الفصل 127. 
  فبعد أن أقر المشرع مبدأ عاما في الفصل 126 القاضي بتطبيق العقوبات والتدابير الوقائية المقررة في مجموعة ق.ج. على الأشخاص الذاتيين، نص في الفصل 127 على أنه:" لا يمكن أن يحكم على الأشخاص المعنوية إلا بالعقوبات المالية والعقوبات الإضافية الواردة في الأرقام 7و6و5 من الفصل 36. ويجوز أيضا أن يحكم عليها بالتدابير الوقائية العينية الواردة في الفصل 62". 

الملاحظ أن الفصل أعلاه يثير العديد من الإشكالات: 
 يعد (الفصل 127) الفصل الوحيد والأوحد في القسم العام من ق.ج. الذي أقر مساءلة الأشخاص المعنوية جنائيا. فبمجرد الإطلاع على الفصل، يتضح غموض السياسة التشريعية، على اعتبار وإن كان المشرع قد تعرض للعقوبات الواجبة التطبيق على الشخص المعنوي، فإنه لم يحدد قائمة الأفعال المعدة جرائم، ومنه إقرار المسؤولية الجنائية وإدراجها تحت لواء الشخص المعنوي. 

  ومن المعلوم أن العقوبات المالية وحدها كعقوبات أصلية،  لم ترد ضمن أنواع العقوبات المخصصة للجنايات التي جاء بها الفصل 16 من ق.ج.، فهل كل الجرائم التي يرتكبها الشخص المعنوي تعد ـ حسب الفصل 127 ق ج ـ جنحة أو مخالفة، ما دام أن الفصل أعلاه ألزم فيه المشرع دوما بعقاب الشخص المعنوي بعقوبات مالية ـ أو عقوبات إضافية، فقط؟ 
  وينتج عن هذا الطرح أن الاختصاص ينعقد دوما للمحاكم الابتدائية بالنسبة للجرائم التي يرتكبها الشخص المعنوي. 
  نضف إلى ذلك، كون المشرع المغربي لم يفصح بشكل واضح عما إذا كان قرر مساءلة الشخص المعنوي جنائيا كمبدأ عام أم استثناء. 

  وإذا حاولنا الالتزام باستقراء نهج المشرع، سنخلص إلى أن إقرار المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي ما هو إلا استثناء من الأصل أو المبدأ العام، وهو مساءلة الشخص الطبيعي، والوارد في الفصل  126 بأنه" تطبق العقوبات والتدابير الوقائية المقررة في هذه المجموعة على الأشخاص الذاتيين" والفصل 1 الذي ينص على أنه" يحدد التشريع الجنائي أفعال الإنسان الذي يعدها جرائم ". 
  فالذي يسأل كمبدأ عام هو الإنسان أما الشخص المعنوي فقد وردت أمر مساءلته كاستثناء. وهذا ما قد أكدها الفصل 132 من القانون الجنائي الذي قرر قاعدة عامة مفادها أن كل شخص سليم العقل قادر على التمييز يكون مسؤولا شخصيا... وهذا ما ينطبق على الشخص الطبيعي، لكن الفقرة الأخيرة من هذا الفصل أشارت إلى أنه لا يستثنى من هذا المبدأ إلا الحالات التي ينص فيها القانون صراحة على خلاف ذلك.[56] 
  والجدير بالذكر، بالرغم من إقرار المشرع للمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي، فإنه مع ذلك نجد القضاء المغربي في تعامله مع إحدى القضايا البيئية التي أثارت الاهتمام، إن على المستوى الرسمي أو الشعبي (قضية معمل الفلين بسلا) لم يتم معالجتها بالصرامة اللازمة، ولم يتم الحزم فيها بالشكل المطلوب، فتعامل القضاء المغربي مع هذا النوع من القضايا، وما يترتب عنها من نتائج خطيرة، على حياة الإنسان والمجال البيئي، يطرح أكثرمن علامة استفهام، عن المكانة الحقيقية للبيئة، ضمن قيم المجتمع الجديرة بالحماية الجنائية.[57] 
  ومع ذلك نسعى أن يكون لموقف القضاء حضورا أكثر في تعامله مع هذا الصنف من القضايا، خصوصا إذا علمنا أن التشريع البيئي المغربي، أخذ في القوانين الجديدة يتجه إلى فرض عقوبات، إلى حد ما تعكس الاهتمام الذي أصبح يوليه المشرع للقضايا البيئية، بإفراده لعقوبات تقضي بإغلاق المنشآت المسببة للتلوث، بالإضافة إلى العقوبات الحبسية، كما هي الحالة في المادة 20 من ق. مكافحة تلوث الهواء، إذ جاء فيها :"يعاقب بغرامة من ألفي (2000) إلى مائتي ألف (200000) درهم، وعقوبة حبسية من شهر إلى سنة، كل من شغل منشأة مخالفا لإجراء من إجراءات المنع المحكوم به طبقا للفقرة الثانية من المادة 19 من نفس القانون[58]. 
  وفي حالة العود تضاعف العقوبة القصوى، ويمكن بالإضافة إلى ذلك الأمر بإغلاق نهائي للمنشأة مصدر التلوث". كما أن هذا النهج للمشرع المغربي نحو التوسع في إسناد المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية، والتي ترتكب أعمالا ماسة بالبيئة، تجسد كذلك في القانون رقم 28.00 المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها، وذلك ما يستشف من مقتضيات المادة 76 منه. 
  وعليه، فإن هذا المنحى للمشرع المغربي، في تنصيصه على مواخذة الشخص المعنوي في القوانين القطاعية، ربما يعتبر ذلك أخذا بالنهج الذي سلكه المشرع الفرنسي، قبل إصدار المدونة الجنائية الفرنسية لسنة 1994، والذي كان يقر بدوره بالمسؤولية الجنائية للأشخاص المعنويين، عن بعض الجرائم المنصوص عليها في بعض القوانين الخاصة، كما هو الأمر في الفصل (1/7) من القانون الصادر في 1961/8/2 المتعلق بمكافحة تلوث الهواء، وكذا مخالفة الفصل (1ـ24) من القانون 15/7/1975، المتعلق بالحد من النفايات والتخلص منها.[59]

  هذا ويبقى التساؤل المطروح في هذا الصدد هو ما حدود هذا الاستثناء وتجلياته التشريعية، فهناك حقيقة واحدة يجب الاعتراف بها وهي عدم توضيح الرؤية التشريعية وغياب الصراحة لدى المشرع. 
   وهذا يدل على استمرار تردده بشأن إقرار المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي، رغم التوسع المستمر في نطاق مساءلة الشخص المعنوي في التشريعات المقارنة، بما فيها القوانين ذات الأصل اللاتيني، وخاصة قانون العقوبات الفرنسي. 
  فرغم اتجاه المشرع المغربي المحمود في تبني هذه المسؤولية من خلال أحكامه في بعض النصوص كما رأينا، إلا أنه من الملائم أن يخطو خطوات أخرى هامة أكثر إيجابية عن طريق إقرار مسؤولية الشخص المعنوي جنائيا، وذلك بإقرارها وبيان شروطها كمبدأ عام في ق.ج. المغربي ذاته أسوة بالتشريع الفرنسي الذي أقرها صراحة في المادة 121/2. 
  كما يتعين على المشرع المغربي أن يحدد صراحة بالمدونة الجنائية الجزاءات الملائمة لطبيعة الشخص المعنوي أو إدخال تعديلات على العقوبات العادية بما يجعلها صالحة الإتباع لمحاكمة وتنفيذ ما يقضي به عليه، بما من شأنه تحقيق الفعالية من توقيع الجزاء. 
  
  فضلا عن بيان الجرائم التي يمكن أن يسأل عنها في القسم الخاص من قانون العقوبات وكذا في التشريعات الخاصة، وبصفة أساسية في قوانين حماية البيئة، بما يتيح توفير الحماية الجنائية اللازمة والفعالة للعناصر البيئية، ومن تم تحقيق السياسة الجنائية لأغراضها. 
  وبذلك نهيب المشرع المغربي بالتدخل في أسرع وقت، بتبيان موقفه إزاء هذا الموضوع وتفادي الصياغة القانونية المبتورة التي تخلق مشاكل تأويلية وتؤدي إلى تضارب في الآراء، ويلزم أن يكون تدخله حكيما واضحا ودقيقا، وأن تكون صياغة مرنة تساير تطورات الواقع، مع مراعاة بعض الاعتبارات[60]: منها تحديد الأشخاص المعنوية المسؤولة جنائيا وغير المسؤولة لتفادي التعميم، تقرير شرط ارتكاب الجريمة باسم الشخص المعنوي ولحسابه، خلق انسجام بين مقتضيات ق.م.ج. و ق.ج. من خلال سن قواعد إجرائية توضح كيفية استدعاء الشخص المعنوي وكيفية إشعاره بالتهم، وطريقة مثوله أمام سلطات البحث والتحقيق والمحكمة، إعادة التفكير في لائحة العقوبات والتدابير المطبقة في أفق تنويعها وتطعيمها بأنواع جديدة. 


الفقرة الثانية: من زاوية الأشخاص 

   لقد سبق الحديث عن كون الأشخاص المعنوية تنقسم إلى أشخاص معنوية خاصة تخضع لأحكام القانون الخاص، وإلى أشخاص معنوية عامة تخضع للقانون العام. إلا أنه إذا كان إخضاع الأشخاص المعنوية الخاصة للمسؤولية الجنائية لا يطرح أية إشكالية قانونية، شأنها شأن الأشخاص الذاتيين، فإن الجدل يثور بالنسبة للأشخاص المعنوية العامة لتوفرها على عنصر السلطة العامة، وتمارس أنشطتها من طرف المرفق العام. 
    هذا ونشير أن مبدأ المساواة أمام القانون، يقتضي عدم جواز التفرقة بين أشخاص القانون العام، وأشخاص القانون الخاص، ولذلك قررت جل التشريعات إخضاع جميع الأشخاص المعنوية العامة الأخرى للمسؤولية الجنائية، أيا كان الشكل القانوني الذي تتخذه كالمؤسسات العامة والتجمعات ذات النفع العام، وغيرها، وفيما يتعلق بكافة أنشطتها. ومع ذلك يلاحظ أن المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية العامة هي مسؤولية مخففة بطريقة غير مباشرة، إذ لا يجوز أن توقع عليها، كما تنص على ذلك الفقرة الأخيرة من المادة 131-39 من قانون العقوبات الفرنسي عقوبة الحل، ولا عقوبة الوضع تحت الرقابة القضائية.[61] 
  وتنقسم الأشخاص المعنوية العامة إلى نوعين: أشخاص معنوية عامة إقليمية أو ترابية[62]، وأشخاص معنوية مرفقية أو مصلحية. 
  والأشخاص المعنوية العامة الإقليمية هي: الدولة والجماعات الترابية[63] بما فيها الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات[64]. 

 وعلاقة بالإشكال المطروح حول:"مدى إمكانية مساءلة الدولة كشخص معنوي عام"؟ نعتقد أنه لابد من التفرقة فيما يخص إثارة المسؤولية بين: 
ـ إثارة مسؤولية الدولة من طرف النيابة العامة للدولة ذاتها، بمعنى أن تلوث البيئة أدى إلى المساس بمصالح الدولة دون أن يتعدى ذلك مصالح دول أخرى. 
ـ إثارة مسؤولية الدولة حينما يتجاوز آثار التلوث البيئي ليمس دولا أخرى، تضحى بذلك جريمة دولية، وتثار المسؤولية وفق قواعد القانون الدولي الجنائي[65]. 
  بالنسبة للنقطة الأولى: 
   فالدولة لا يكن إثارة مسؤوليتها جنائيا[66]، ويرجع ذلك إلى عدة اعتبارات أهمها: دور الدولة في ممارسة الزجر والردع الجنائي، فلا يعقل أن تتم متابعة الدولة من طرف النيابة العامة التي تمارس وتحرك الدعوى العمومية باسمها، فالقول بغير ذلك يجعل من الدولة خصما وحكما في نفس الوقت[67]. بالإضافة إلى تمتع الدولة بالسيادة حيث أنها لا تخضع لأي دولة أخرى، وبالتالي لا يمكن أن يتصور في ظل هذه السيادة أن تسأل الدولة جنائيا أو أن تكون محلا للعقوبة.[68] 
  أما بالنسبة للجماعات الإقليمية أو الترابية الأخرى، فلا تسأل جنائيا إلا بمناسبة الجرائم المرتكبة في إطار القيام بالأنشطة التي تكون موضوع اتفاقيات أو عقود تفويض للمرفق العمومي[69]. 
  أما الأشخاص المعنوية المرفقية[70]، وهي عبارة عن مرافق تقوم بإدارة النشاط المسند إليها قانونا تحت وصاية الدولة أو أحد الأشخاص المعنوية الترابية الأخرى، مع الإعتراف لها بالشخصية المعنوية العامة والاستقلال المالي والإداري.[71] هذه المرافق التي تتخذ شكل شركات ومكاتب وطنية وجمعيات عامة وما شابهها يمكن تحميلها المسؤولية الجنائية عن كافة الأفعال الماسة بالبيئة التي تتسبب فيها، نتيجة لعدم مراعاتها للالتزامات التي تفرضها قوانين البيئة، وهذا أمر طبيعي لأن معظم حالات التلويث والتدهور البيئي سببها الأنشطة التي مارسها أشخاص معنوية عامة، فجرائم التلويث مثلا غالبا ما تقع بمناسبة نشاط صناعي أو زراعي أو خدماتي، والذي يتم بواسطة شركات تابعة لأشخاص معنوية عامة.[72] 
أما بخصوص النقطة الثانية: 
 فباعتبار جرائم تلويث البيئة جريمة دولية تسأل عنها الدولة التي ترتكبها فلابد من الخضوع إلى المساءلة الجنائية للدولة وفق قواعد القانون الدولي الجنائي. 
   وتستند مسؤولية الدولة عن أضرار التلوث، في القانون الدولي التقليدي، عادة إلى الحكم Trail Smelter arbiytation،وهي المعروفة بقضية 1941الصادر في قضية تحكيم سنة 
 في قضية "قناة كورفو"،1949/04/9 وكذلك إلى حكم صادر عن محكمة العدل الدولية في 
والذي قضت فيه المحكمة بأنه :"لا يمكن لأي دولة أن تستعمل أراضيها لغايات مضادة لحقوق الدول الأخرى". 
  فهذه القرارات ألزمت الدول بعدم استخدام أراضيها، أو الترخيص باستخدامها، بشكل ينتج عنه مساس أو خسارة بمصالح دول أخرى[73]. 
  وبذلك فالقانون الدولي للبيئة، نجده يحدد القواعد التي تلتزم الدول بمراعاتها، والتقيد بما تفرضه من ضرورة حماية البيئة، خصوصا أمام تزايد الاختلالات التي يعرفها النظام البيئي العالمي، والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية، يشكل تحديا حقيقيا للسلم والأمن الدوليين في العالم، ويشكل عدم الوفاء بهذا الإلتزام، قيام مسؤولية الدولة عن الأضرار المترتبة عن عدم الوفاء بالحفاظ على البيئة، كأن تعمل بعض أجهزة الدولة، أو الأفراد بأعمال من شأنها إدخال مواد في البيئة، ينجم عنها أضرار بالصحة الإنسانية، أو بالموارد الحية للبيئة، أو إعاقة الأنشطة العادية، أو عدم بذل العناية الواجبة، لمنع أو مكافحة التلوث الذي تسببه أنشطة الأشخاص الطبيعيين، أو الاعتباريين داخل إقليمها، أو إهمالهما اتخاذ التدابير الرادعة لتعقب مرتكبي الأنشطة الضارة، أو عدم تقديمها التعويض المجزي لمن تضرروا من التلوث أو فساد البيئة. 

   إلا أن التساؤل الذي يطرح في الأخير، يتمحور بالأساس حول أثر قيام المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي على مسؤولية الشخص الطبيعي في جرائم تلويث البيئة، بمعنى آخر هل مسؤولية الأشخاص المعنوية تحول دون مساءلة الشخص الطبيعي عن ذات الجريمة المرتكبة باسم ولحساب الشخص المعنوي، أم أنه يمكن ازدواج المسؤولية عن ذات الجريمة؟ 
  ذهبت غالبية الفقه إلى القول بازدواج المسؤولية عن ذات الجريمة[74] مستندة في ذلك إلى عدة اعتبارات أهمها: 
ــ أن ارتكاب الجريمة لحساب الغير لا يعتبر سببا لانتفاء مسؤولية مرتكب الجريمة طالما توافرت شروط مسؤوليته جنائيا. 
ــ أنه للوصول إلى الغاية المنشودة من توقيع الجزاء الجنائي، ينبغي ألا يشكل إقرار المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي ستارا يستخدم لحجب المسؤولية الشخصية للأشخاص الطبيعيين الذين ارتكبوا الجريمة.[75] 
  وبالمقابل، يرى جانب من الفقه[76] أنه صار من الضروري دمج المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي مع المسؤولية الجنائية للشخص الطبيعي الذي يعتبر الفاعل المادي للجريمة التي يسأل عنها الشخص المعنوي. وهذا الاتجاه بدوره مؤيد من جانب التشريع لكن بصورة ضئيلة[77]، ففي ولاية نيوجرسي الأمريكية ـ وفي إطار قانون حماية العناصر البيئية ـ نجد أن القانون ينص على إعفاء الأشخاص المعنوية من الخضوع للقانون الجنائي، ويطبق فقط على الأشخاص الطبيعيين. 

  ومن جهتنا، فإن إثارة المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي لا تعني استبعاد إمكانية متابعة الشخص الذاتي أيضا مرتكب الجريمة، فالمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي لا تخرج مسؤولية الأشخاص الطبيعيين سواء كانوا فاعلين أو مساهمين أو مشاركين في نفس الأفعال الإجرامية[78]، على اعتبار أن الجمع بين المسؤولية الجنائية للشخص الطبيعي والاعتباري معا، يؤدي إلى تحقيق أسمى درجات الحماية المرجوة للبيئة من خلال تكريس بل وتطبيق مبدأ عدم الإفلات من العقاب. 
  وهذا ما درجت عليه محكمة النقض الفرنسية في العديد من قراراتها، فقد  أدانت كلا من  
 متر طولا،30 متر عرضا و 3المحافظ والجماعة من أجل أشغال توسعة طريق عمومي 
بعدما نجم عن هذه الأشغال إضرار بالبيئة المحيطة بها، فالمحكمة أثارت في آن واحد المسؤولية الشخصية للمحافظ لأنه أعطى أوامر لعمال الجماعة بتنفيذ هذه الأشغال، ومسؤولية الجماعة لأن الأشغال أنجزت باسمها ولحسابها.[79] 
 والجدير بالذكر في الأخير، أنه قد تحدث أسباب تنتفي معها المسؤولية الجنائية في جرائم تلويث البيئة، كحالة الضرورة والقوة القاهرة، والترخيص الإداري. 
 والمراد بحالة الضرورة، الحالة التي يجد فيها الإنسان نفسه أو غيره مهددا بخطر جسيم وحال يضيق عليه نطاق اختياره، فلا يستطيع تلافيه ولا تجنبه إلا بارتكاب فعل إجرامي معين،[80] وهي تمثل وسيلة دفاع أساسية لتبرير أفعال التلوث التي تقع على البيئة والتي تشكل في نظر القانون جريمة[81]. 
 وعلى خلاف المشرع المصري الذي اعتبر حالة الضرورة مانعا من موانع المسؤولية الجنائية في جرائم تلويث البيئة[82]. فإن كلا من المشرع المغربي والفرنسي قد اعتبرا حالة الضرورة سببا من أسباب الإباحة، وهذا مفاده أن حالة الضرورة تزيل عن الفعل أو الامتناع المكون للجريمة صفة التجريم. بمعنى أنه يصبح عملا مشروعا بعد أن كان مجرما، وبالتالي لا يسأل الفاعل مدينا عن الأفعال الضارة التي قد تتسبب عن فعله الملوث.[83] 
 كما تنتفي المسؤولية الجنائية في جرائم تلويث البيئة في حالة القوة القاهرة[84]، فمرتكب فعل التلويث يرتكب جريمته تحت تأثير الإكراه الذي لا يملك له دفعا، ومن تم لا يكون حرا في اختيار طريق الجريمة، بل أنه يكون مدفوعا إلى ارتكابها كوسيلة وحيدة لوقاية نفسه أو غيره.[85] 
 كما تنتفي المسؤولية الجنائية عن الجريمة البيئية في حالة وجود ترخيص بممارسة الأعمال المضرة بالبيئة ولكنه لا يستحق رغم ذلك أن يحضر كلية، الأمر الذي يقتضي تنظيم ممارسة هذا النشاط، فليس من حق أي شخص القيام به بالصورة والتي ينجم عنها هذه المخاطر أو أن يترك لمن يرغب في ممارسة هذا النشاط تقدير تلك المخاطر التي تنجم عنه، لذا يعهد بذلك إلى الجهة الإدارية المختصة على طالب الترخيص الالتزام بها وإلا عد نشاطه غير مشروع ويستوجب المساءلة الجنائية، مع منح الجهة المختصة بمنح الترخيص حق إلغائه. 
  وقد استلزم المشرع المغربي ضرورة الحصول على ترخيص لممارسة بعض الأنشطة المتعلق باستغلال المصالح ينص08/11 من القانون رقم 11التي لها صلة بالبيئة، فالفصل 
على أن استغلال المقالع يتوقف على الحصول على رخصة تسلمها الإدارة. 
 من قانون البيئة الفرنسي على أن كل من يستغل منشأة 514  وفي فرنسا ينص الفصل 
مصنفة من أجل حماية البيئة بدون رخصة يتعرض لعقوبة سالبة للحرية لمدة سنة وغرامة فرنك فرنسي.[86]57000 تقدر ب 

  كان هذا عن أحكام المسؤولية الجنائية عن جرائم البيئة، فماذا عن ضحايا الإجرام البيئي؟ هذا ما سنعرض له في المبحث الموالي. 
المبحث الثاني: ضحايا الإجرام البيئي وكذا إشكالية التطبيق الزماني والمكاني 
    
   لا شك أن في عهد العصور اللاحقة وخاصة عصر المدارس الجنائية الحديثة، فإن فكر المدرسة التقليدية بزعامة الفقيه الإيطالي باكاريا قد انصب بصورة أساسية على الجانب الموضوعي للجريمة دون جوانبها الأخرى. نتيجة لذلك أقامت هذه المدرسة فلسفتها على أساس التناسب بين العقوبة والجريمة ومدى ما تحققه هذه العقوبة من ردع عام وخاص. مهملة الجانب الإنساني في الظاهرة الإجرامية سواء ما تعلق منه بالجاني أو المجني عليه.
  وبعد ذلك ظهرت المدرسة التقليدية الحديثة لتلافي العيوب التي شابت المدرسة التقليدية، ومن أهم ما نادت به التخفيف من شدة العقوبة وجعلها متناسبة مع الوضع الخاص بكل فرد، حسب الظروف الشخصية لكل متهم.. وضمن تعاليم هذه المدرسة ظهرت فكرة "تفريد العقاب" و"نظام الظروف المخففة" و"موانع المسؤولية الجنائية". 
  ومع فكر "لومبروزو" وفيري و"جاروفالو" مؤسسي المدرسة الوضعية، أصبح الجاني محورا أساسيا للدراسة في علم الإجرام، وبالرغم من تركيز المدرسة الوضعية جل اهتمامها على شخص الجاني، إلا أنها لم تغفل تماما الإشارة إلى المجني عليه، فقد ذهب لومبروزو وهو بصدد تصنيف المجرمين إلى القول بأن المجرم العاطفي يتأثر بضغط الانفعالات التي يثيرها المجني عليه. كما أن جاروفالو أشار إلى سلوك المجني عليه ـ من شأنه أن يدفع الجاني إلى ارتكابه الجريمة ـ. 
  وهكذا ظلت الدراسة العلمية للظاهرة الإجرامية غير كاملة بسبب الإقصاء الممنهج للمجني عليه كطرف أساسي في هذه الظاهرة إلى أن ظهر فرع جديد من العلوم يهتم أساسا بالدراسة العلمية للمجني عليه يسمى "علم المجني عليه". 

  هذا ويعتبر علم المجني عليه أحد فروع العلوم الجنائية وذلك لكونه يهتم بدراسة المجني عليه باعتباره طرفا في الجريمة بالإضافة إلى الجاني. 
  يتضح أن علم المجني عليه هو ذلك العلم الذي يهتم بدراسة المجني عليه ـ شخصا وصفة ـ من عدة جوانب، سواء قبل وقوع الجريمة من خلال دراسة العلاقة بين الجاني والمجني عليه كمدخل لدراسة الظاهرة الإجرامية والوقوف على أسبابها وذلك بعد دراسة مجموع الخصائص العضوية والنفسية والاجتماعية المتعلقة بالمجني عليه وبيان الصفات والسمات العضوية والنفسية والثقافية الخاصة بالمجني عليه، كما يعنى أيضا بالدور الذي يمكن أن يلعبه المجني عليه في خلق فكرة الجريمة أو التشجيع عليها أو تسهيل ارتكابها، وأثر هذا الدور بالنسبة لتحديد مسؤولية الجاني وحدود ونوعية الجزاء الواجب التطبيق[87]. 
  وبالنسبة للقضاء المغربي فإن محكمة النقض اعتبرت أن المجني عليه هو الذي وقعت عليه أحداث الجريمة إما على شخصه أو حقوقه المعنوية أو ماله وهو وحده الذي يعتبر متضررا من الجريمة، أما غير المجني عليه فلا يعتبر كذلك، ولو لحقه ضرر مباشر منها.[88] 

   ومن الطبيعي أن يكون لكل جريمة ضحية أو ضحايا، وعادة ما يكون ضحية الجريمة محددة ـ إلا أن ضحايا جرائم البيئة ليسوا محددين، بل ويصعب تحديدهم، ويتجه الذهن منذ الوهلة الأولى من التفكير في ضحايا جرائم البيئة ـ إلى البشر، إلى الإنسان، الذي هو المستخلف في الأرض. 
  والملاحظ من خلال أغلبية الدراسات الفقهية الجنائية أن جرائم البيئة لا تستهدف شخصا أو أشخاصا  بذواتهم، وإنما هي اعتداءات توجه إلى عناصر البيئة الطبيعية المحيطة بالإنسان من أرض ومياه وهواء وحيوان ونبات، أي: الطبيعة ذاتها[89]. 
 وجاءت دراسات "الإجرام البيئي" محصلة مهمة لدراسات علم الضحية. فالبيئة بعناصرها  ) إلى اعتبارR.Kesslerالطبيعية المادية هي الضحية في جرائم البيئة. وذهب البعض ( 
جرائم البيئة جرائم خطر، وليست جرائم ضرر، يتعذر تحديد ضحيتها أي أنها جرائم بلا ضحية.[90] 
  ومن البداهة بمكان أن الإنسان هو أول ضحايا جرائم البيئة، فالإنسان هو الذي يفسد في الأرض، وهو الضحية التي تذوق نتائج هذا الإفساد، وصدق الله العظيم حينما قال في كتابه العزيز " ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون". 
  صحة الإنسان وحياته على الأرض ضحايا لجرائم البيئة. بالإضافة لذلك، فهناك رفقاء آخرين على هذه البسيطة، ونقصد الكائنات والأشياء الأخرى من حيوان ونبات، بل والجماد ناهيك عن الهواء والماء والتربة ـ وهذه جميعا ضحايا لجرائم البيئة ـ وهذه جميعا لها صحة ـ إذا جاز التعبير تفسد وتسوء وتمرض ـ مثلها مثل صحة الإنسان ـ وهي أيضا ضحايا لجرائم البيئة... التي لا يرتكبها إلا الإنسان 
  قد تفسد البيئة ـ نتيجة عوامل طبيعية ـ كالبراكين والعواصف الترابية الحادة ـ ولكن تلك أمور طبيعية لها جوانبها السلبية عادة والإيجابية أحيانا. 
  أما أن تفسد البيئة، بصنع الإنسان، وبإرادة الإنسان، فهذه هي الجريمة الحقيقية، وأما أن يكون الإنسان ـ والكون المأهول ـ هما ضحايا جريمة الإنسان، فهذه هي المعادلة الغريبة التي يكون فيها المتهم هو الضحية، والضحية هي المتهم بل ومعه ضحايا آخرون. 
  ويعتبر د. علي الباز أن التقدم العلمي الحقيقي هو الذي ينتهي إلى تقدم الإنسان ـ صحة وحياة ـ وإلى المحافظة الأكثر تطورا ـ على الكون، وعلى بيئة الإنسان هواء وماء وتربة. 
  
، ونرى من جهتناPollution   هذا ويمكن القول أنه ليس ثمة تعريف ثابت وشامل للتلوث 
أن أهم تعريف ''علمي'' للتلوث هو التعريف الوارد في توصيات مجلس منظمة التعاون  والذي يعرف التلوث بأنه إدخال مواد 1974 نونبر14 والتنمية الاقتصادية الصادرة في 
أو طاقة بواسطة الإنسان سواء بطريق مباشر أو غير مباشر إلى البيئة، بحيث يترتب عليها آثار ضارة من شأنها أن تهدد الصحة الإنسانية، أو تضر بالموارد الحية أو بالنظم البيئية، أو تنال من قيم التمتع بالبيئة، أو تعوق الاستخدامات الأخرى المشروعة لها، وأن هذا التعريف قد أيده الكثير من العلماء، واعتمدته ـ مع بعض التعديلات فيه ـ معظم الاتفاقيات والمعاهدات الخاصة بالتلوث، وكذلك المعاجم العلمية المتخصصة مع التصرف. 

  إن الأمور تتشابك عند استعراض ضحايا جرائم البيئة، فعندما تحاول تركيز الضوء على "ضحية محددة" تزاحمها في الصورة ـ الضحايا الأخرى. 
  فإذا ألقينا الضوء على تلوث الهواء ـ ضحية ـ فلابد أن ذلك يستدعي ضحايا آخرين؟ هي صحة الإنسان وصحة النبات... إلخ. 
  وإذا ألقينا الضوء على تلوث التربة ـ ضحية ـ تداعت إليها سائر الضحايا الأخرى: وهي فساد الزرع، ثم صحة الإنسان الذي يقتات على تلك النباتات الملوثة، بل والحيوانات التي تقتات الزرع ـ ويقتات الإنسان ألبانها أو لحومها؟ 
  وإذا ألقينا الضوء ـ كذلك ـ في الأخير على تلوث الماء ـ العذب وغيره ـ ضحية، ظهرت في قائمة الضحايا ـ على الفور ـ الكائنات الحية المائية، ومن قبلها ومن بعدها، صحة الإنسان وحياته... ضحايا؟. 
  ولذلك يرى د. علي الباز أن الأمر شديد التشابك، وكثير التداخل، وعظيم التعقيد. ولربما أدى استعراض الضحايا: الهواء، والماء، والتربة ـ بالإضافة إلى جانب آخر من تلوث البيئة وهي مشكلة "التلوث السمعي أو الضوضائي". ـ إلى تجسيد حقيقة مدى كون الإنسان ـ صحة وحياة ـ هو الضحية الأولى والأهم، ومن بعده يأتي الكون، وتأتي الكائنات الأخرى  من نبات وحيوان... ضحايا لجرائم البيئة. 

 انطلاقا مما سبق، سنقوم بمعالجة ما تقدم من خلال مطلبين اثنين، نتناول في المطلب الأول الماء والهواء ضحايا لجرائم البيئة، على أن نعرج بالتحليل للتربة والتلوث السمعي ضحايا بيئية وذلك في المطلب الثاني. 

المطلب الأول: الماء والهواء 

أولا: الماء 

  يقول الله عز وجل في محكم كتابه " وجعلنا من الماء كل شيء حي"، [91] إلا أن الإنسان يأبى إلا أن يفسد الماء.. حتى يحيل كل شيء حي.. إلى الموت ذاته. 
  ويعتبر الماء موردا طبيعيا أساسيا ومادة ضرورية يرتكز عليها الجزء الأكبر من الأنشطة الاقتصادية للإنسان، كما أنه مورد يتميز توفيره بعدم الانتظام في الزمان والمكان، ويتأثر بظروف المناخ وتنوع الخريطة الجغرافية، والسلوكات السلبية والضارة للإنسان[92] . 
  
  والمقصود بالتلوث المائي[93] إحداث تلف أو فساد في نوعية المياه مما يتسبب عنه تدهور نظامها البيئي بصورة أو بأخرى لدرجة تصبح المياه ضارة أو مؤذية عند استخدامها، أو غير قادرة على أن تتعامل مع الفضلات العضوية والكائنات الدقيقة التي تستهلك الأكسجين[94]. كما عرفه البعض[95] " هو التغير في الصفات الفيزيائية أو الكيميائية أو الجرثومية، بحيث لا يمكن استعمال الماء للغاية المرادة منه". 
  هذا وتعد الأنشطة الإنسانية التي تسبب التلوث في البيئة البحرية من مصادر برية ناتجة من مصادر عدة أهمها: المخلفات العضوية لسكان المدن الساحلية والتي تصرف في مياه البحر، وكذلك المخلفات الكيميائية الناتجة من الأنشطة الصناعية المقامة على سواحل البحر وبعضها سام وله تأثير على الصحة العامة والثروة السمكية البحرية، ولا يمكن أن نغفل المخلفات الآدمية والصناعية والزراعية التي تصرف في الأنهار والمصارف حتى تصل لتصب في البحار. 
  كما تتلوث البيئة البحرية أيضا بالنفط الذي يصل إليها من مصافي تكرير البترول المقامة على الشواطئ والسواحل وما يمكن أن ينسكب منها أثناء تغذية أو تفريغ الناقلات أو من نهايات أنابيب نقل النفط من مناطق إنتاجه[96]. كذلك ما أدت إليه حوادث ناقلات النفط من تلوث للبحار، كما أنه من مصادر التلوث البحري مصبات الصرف الصحي في البحر، وكذلك المبيدات الحشرية، والمعادن الثقيلة وأهمها الزئبق مما يؤدي إلى تدمير الحياة البحرية، ومن ثم الإنسان، إضافة إلى النفايات الإشعاعية الناجمة عن التجارب النووية التي يتم إجرائها تحت الماء وفي الهواء، حيث ينتج عنها كميات هائلة من الإشعاعات الذرية التي تترسب فوق المسطحات المائية أو تنقلها المياه التي تصب في البحار، وكذلك تخزين النفايات النووية في البحار والمحيطات، وما تؤدي إليه من تهديد لتلوث البيئة المائية، ومن ثم الإنسان. 
 وهكذا فقد أدى تلوث الماء ـ العذب وماء البحارـ إلى مشاكل ومآسي، سواء بالنسبة للإنسان أو غيره من الكائنات. حيث يعزى إلى تلوث المياه أكثر من مليوني حالة وفاة سنويا، وأنواع من الأمراض ـ طبقا لتقرير البنك الدولي للإنشاء والتعمير[97]. 

   ويؤدي تلوث المياه، إلى أخطار هائلة للإنسان وللبيئة، حيث تشير الإحصائيات الحديثة  ) إلى أن هناك أكثر من ملياري شخص في العالم لا يحصلون على 1993ـ1992 نسبيا ( 
مليون طفل سنويا، وتعرض25 ماء صالح للشرب، ويستهلكون مياها ملوثة تؤدي إلى وفاة 
 مليون آخرين بمرض البلهارسيا.300 مليون نسمة لمرض الملاريا، وإصابة 800 
  ويدق العلماء ناقوس الخطر ـ بالنسبة لتلوث البيئةـ فيشير أحد العلماء إلى أن الوضع  سنةقادمة، ويشير عالم25 الحالي للتلوث سوف يؤدي إلى انعدام الحياة البحرية في غضون 
 من جميع أنواع الأحياء % 85ـ75 آخر إلى أن التلوث البحري سوف يفضي إلى انقراض 
البحرية. كما يؤدي التلوث بالنفط ـ الذي يعد المصدر الرئيسي لتلوث البحار بوجه عام وتلوث بيئة الخليج العربي بوجه خاص ـ إلى إفناء أعداد كبيرة من طيور الماء التي تحفظ للمناطق الساحلية توازنها البيئي بافتراسها الأحياء البحرية الزائدة[98]. 

ثانيا: الهواء 

  لقد سبق الحديث عن كون المقصود بالهواء هو ذلك الغلاف الذي يحيط بالأرض ويؤدي تغيير خصائصه الفيزيائية أو الكيميائية إلى إلحاق ضرر بالكائنات الحية والأنظمة البيئية وبالبيئة بشكل عام. 

  ويتلوث الهواء إذا حدث اضطراب في نسب مكوناته الأساسية، وقد يرجع ذلك التلوث إلى عمليات طبيعية ( مثل هبوب الرياح المحملة بالأتربة)، أو نتيجة لفعل الإنسان. ويتمثل ذلك في العمليات الصناعية المختلفة، واحتراق الوقود، ووسائل النقل والمواصلات، وإنتاج الطاقة بأنواعها المختلفة، وحرق الغابات عمدا، وحرب الجراثيم والغازات والإشعاعات النارية وغيرها. ويعتبر تلوث الهواء من أخطر أنواع التلوث البيئي، وأكثر شيوعا في المدن الصناعية. 
 وتختلف آثار التلوث البيئي المترتبة عن البشر وعن الحيوانات وكذا الأشجار والنباتات.. 
  فبالنسبة للبشر[99]، إذا نظرنا إلى عادم السيارات في المدن، فإننا نجد أن آثاره على الصحة هي آثار رهيبة كما هو واضح من كونه سببا رئيسيا في أمراض السرطان بأنواعه وأمراض العيون، وتأثيره على الدورة الدموية، وتأثيره على النساء الحوامل، حيث يهدد نمو الجنين وتطوره الذهني وتسببه في الالتهابات الرئوية ومشكلات صحية أخرى. 
) يشير1992   هذا ويشير تقرير البنك الدولي للإنشاء والتعمير (تقرير التنمية في العالم 
إلى أن المستويات الهائلة للمواد الهبائية الدقيقة العالقة في هواء المدن مسئولة عن الوفيات 
 مليون 400 حالة في السنة، وهناك بين 700ر000 إلى 300ر000 المبكرة لما يتفاوت من 
 مليون شخص ولاسيما من النساء والأطفال في المناطق الريفية يتأثرون بالهواء 700و 
المشبع بالدخان في المنازل.[100] 
  أما آثار تلوث الهواء على الحيوانات، فإن الأمطار الحمضية (التي تشكلت في الهواء) يدمر حياة الأسماك في البحيرات والجداول، الإفراط في الأشعة فوق البنفسجية القادمة من الشمس من خلال طبقة الأوزون في الغلاف الجوي العلوي هو الذي تآكل بفعل بعض ملوثات الهواء، قد تسبب سرطان الجلد في الحياة البرية. 
 أما آثار التلوث على الأشجار والنباتات، فالمطر الحمضي يمكن أن تقتل الأشجار، وتدمير أوراق النباتات، يمكن التسلل من التربة مما يجعلها غير صالحة لأغراض التغذية والسكن. يضاف لذلك، ثقب طبقة الأوزون في الغلاف الجوي العلوي ويمكن أن تسمح بمرور مفرط من الأشعة فوق البنفسجية من الشمس لدخول الأرض مما تسبب في أضرار للأشجار والنباتات. 
 الأوزون في الغلاف الجوي السفلي يمكن منع تنفس النبات عن طريق عرقلة الفتحات 
)، وتؤثر سلبا على النباتات معدلات التمثيل الضوئي التي تعوق نمو النبات.Stomata( 
  قد تعطل عملية التمثيل الضوئي في النباتات المائية، وبالتالي يؤثر على النظم الإيكولوجية التي تعتمد على هذه النباتات، والنباتات سواء البرية والمائية قد تمتص الملوثات من المياه (كمصدر المغذيات الرئيسية) وتمريرها عبر السلسلة الغذائية للحيوانات والبشر المستهلك[101]. 

  إن التلوث الهوائي وآثاره أخطر من أن نتصوره، ولا يكفي إن نريح ضمائرنا بمجرد صياغة كلمات في القانون الجنائي تجرم تلك الأفعال المدمرة للهواء الذي نتنفسه، إن الأمر يحتاج إلى أكبر من ذلك بكثير جدا. 
 وفي الأخير يتساءل البعض قائلا: لسنا ندري إلى أين يسير الإنسان وهو يدمر هواءه الذي يتنفسه ليحيا، إن قمة المأساة أن يضطر المواطن في بعض البلدان الصناعية، إلى شراء علبة تحتوي هواء مضغوطا يفتحها لأطفاله كي ينعموا لثوان معدودة بهواء نظيف؟.[102] 
  إذن، كان هذا عن الماء والهواء ضحايا الاعتداء البيئي، فماذا عن التربة والتلوث السمعي؟، هذا ما سنعرض له وفق المطلب الموالي. 

المطلب الثاني: التربة والتلوث السمعي 

أولا: التربة 

  المقصود بالتربة هنا ـ التربة الزراعيةـ والبيئة الأرضية المحيطة بالإنسان، ويعني تلوث التربة إدخال مواد غريبة في التربة، حيث تسبب هذه المواد تغيرا في الخواص الفيزيائية أو الكيماوية أو الحيوية (البيولوجية) للتربة. 
 وترجع مصادر هذا التلوث من أسباب كثيرة منها الإسراف في استخدام المبيدات والأسمدة الكيماوية، والنفايات الصلبة والسائلة والغازية الناتجة عن المصانع، ولا تقتصر النفايات الصلبة على نتاج المصانع بل هناك نفايات صلبة: منزلية، وزراعية، وصناعية، هذه الأخيرة تتنوع تنوعا كبيرا إذ يصل عدد المواد الخطيرة والسامة إلى عدة آلاف[103]. كما أن كثيرا من الصناعات الخطرة مثل الصناعات النووية وصناعات الأدوية والإسمنت والأسمدة، ينتج عنها، ملايين الأطنان من النفايات، هذه الأخيرة تحمل في خصائصها الكيميائية والعضوية خطورة بالغة على البيئة وصحة الإنسان، وهذا أمر أدى إلى عقد الكثير من المعاهدات الدولية والإقليمية. والأكثر خطورة هو كون تلك الدول المتقدمة تجد أن التخلص من تلك النفايات الخطرة يكلفها مبالغ طائلة وأخطارا على مواطنيها، فتتحايل على تصدير تلك النفايات إلى الدول النامية بطرق ملتوية[104]. 
  وإلى جانب تلوث المحاصيل المزروعة في التربة الملوثة والتي تسبب مشاكل في الأمن الغذائي، تؤدي كذلك إلى فقدان مساحات ضخمة من الأراضي القابلة للزراعة لتضحى غير صالحة للزراعة.[105] 
  ولا يؤدي الإفراط في استخدام المبيدات والأسمدة الكيماوية والمواد الكيماوية إلى تلوث التربة فحسب، بل يؤدي إلى تهديد صحة الإنسان والكائنات الأخرى. وقدرت دراسة 
 بواسطة منظمة الصحة العالمية أن زهاء ثلاثة آلاف إلى عشرين ألف 1983 أجريت عام 
حالة وفاة تحدث كل عام من جراء التلوث الكيميائي للتربة، نتيجة الاستخدام الواسع للمبيدات في الزراعة، وأن نحو مليون يتسممون كل عام بمبيدات الآفات، ولا تقتصر الآثار على المنطقة التي تستخدم فيها المبيدات، بل تنتقل عبر السلسلة الغذائية إلى مناطق أخرى، بل إن هناك من يقرر أن المبيدات تتسبب في مليوني حالة تسمم في العالم، وفي وفاة 
 منهم من العالم النامي.[106]%75 ألف شخص سنويا، 40 

ثانيا: التلوث السمعي (الضوضاء) وضحاياه 

  يقصد بالضوضاء هي الأصوات غير المرغوب فيها، والتي تؤدي إلى الإضرار بسامعيها  70صحيا ونفسيا، ومعروف ـ علميا ـ أن الأذن البشرية تتحمل شدة في الصوت حتى 
ديسيبل، ولكن ما يعلو ذلك من أصوات يكون غير طبيعي، ويعتبر بداية للضوضاء البسيطة 
 ديسيبل)، وما يعلو ذلك تعتبر ضوضاء خطرة، وتزداد خطورة بسبب 90 إلى 80(من 
 75 كونها مستمرة، وليست أصواتا عارضة. ويصبح ضغط الصوت مضرا عند حدود 
 ديسيبل.120 ديسيبل، ومؤلما عندما يصل إلى 
  والتلوث الضوضائي ـ حسب البعض[107] ـ يعد من أقصى أنواع التلوث البيئي، بل ومن أشدها خطورة على صحة الإنسان بل والحيوان والنبات، بحيث ـ قديما ـ كان يتم تنفيذ أحكام الإعدام بواسطة الضوضاء..[108] 
   أما عن مصادر الضجيج فهي كثيرة كوسائل النقل المختلفة خاصة ضوضاء السيارات، وضجيج الطائرات والقطارات، وآلات المصانع والآلات المختلفة، وضجيج الأجهزة المنزلية، وورش إصلاح السيارات، وعمليات البناء والتشييد وآلات الحفر الكهربائي ومكبرات الصوت.[109] 



  هذا وتسبب الضوضاء أضرارا كثيرة للإنسان، منها ما هو نفسي، وما هو عصبي، وما هو فسيولوجي، كما تؤثر بطريقة غير مباشرة على الناحية الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية، فمن حيث الاضطرابات السمعية التي قد تصل إلى الإصابة بالصمم، حيث تؤدي شدة الأصوات العالية إلى تلف الخلايا العصبية الموجودة بالأذن الداخلية وتآكل الخلايا بالتدريج، وقد عرف أن للضوضاء آثارا سيئة على صحة الإنسان، فتزيد من سرعة النبض وتزيد من إفراز بعض الغدد في الجسم مما يؤدي إلى ارتفاع في نسبة السكر بالدم، وكثيرا ما ينجم عن الضوضاء إصابة القرحة المعدية، أو قرحة الاثنى عشر. 
  كما اتضح للعلماء أن الحيوانات تتأثر بالضوضاء، فالأبقار في مزرعة مجاورة للمطار لا تعطي نفس كمية الحليب التي تعطيها لو كانت بعيدة عن التأثر بالضوضاء كما أثبتت الأبحاث أن الضوضاء تؤثر على نمو النباتات وتكاثرها.[110] 
  كما تسبب الاضطرابات النفسية، الفسيولوجية، مما يؤدي إلى القلق والارتباك والتوتر وقلة التركيز والإرهاق الذهني والعصبي العضلي، بل والعدوانية. 
  وتأكد الدراسات على تأثير الضوضاء على قدرة الإنسان الإنتاجية، أثبتت تأثير الضوضاء في خفض القدرة الإنتاجية للفرد، والتأثير السلبي على الناحية الاقتصادية. 


  وفي الأخير، وأمام هذا الوضع الذي عرفته البيئة العالمية، أصبح يطرح للنقاش القانوني مدى إمكانية مساءلة الدولة جنائيا عن هذه الجرائم المرتكبة، والتي تمس التراث البيئي العالمي الذي يستلزم من جميع الدول المحافظة عليه، واتخاذ التدابير والآليات اللازمة لتحقيق هذه الغاية. 
  وبذلك فإن الاعتداءات المستمرة التي تتعرض لها البيئة في مجموعها، سواء تلك الناجمة عن الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين أو الدولة نفسها، أصبحت تصنف كجريمة دولية، لمساسها بالنظام العام الدولي، ولتعريضها الحقوق الأساسية للمجتمع الإنساني للخطر، دون إغفال الطبيعة الدولية للمصلحة المعتدي عليها، وعليه فإن الجريمة الدولية هي التي ترتكب في انتهاك للمصالح التي يحميها القانون الدولي، وبالتالي فهي ضارة بالمجتمع الدولي ونظامه، ذلك أن محلها العدوان على المصالح العليا للمجموعة الدولية، ويستوي في ذلك أن يكون مرتكبها فردا أو دولة.[111] 
 وهنا يطرح التساؤل نفسه، هل الجريمة البيئية الدولية تقع ضمن اختصاصات المحكمة الجنائية الدولية أم لا؟؟ 

   إن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية يقتصر على أشد الجرائم خطورة موضع اهتمام المجتمع الدولي بأسره، وللمحكمة بموجب نظام روما الأساسي المؤسس للمحكمة اختصاص النظر في الجرائم التالية: جريمة الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب، جريمة العدوان.[112] 
 مكرر، كون المحكمة تنشط في القوانين 8 و8 و7 و6  وهو الملاحظ إثر استقراء المواد 
السارية على المنازعات الدولية المسلحة في النطاق الثابت للقانون الدولي. وخاصة جرائم الحرب، الإبادة الجماعية، وجرائم ضد الإنسانية. 

  هذا ويمكن القول أن فعل التعدي على البيئة وإلحاق أضرار واسعة النطاق بعناصر البيئة الطبيعية متى كانت ناتجة عن جرائم الحرب، تقع آنذاك تحت لواء اختصاص المحكمة الجنائية الدولية. 
 ـ إحداث ضرر واسع النطاق 4  ( "جرائم الحرب" ، " ب 8  وهو ما جاء في المادة 
وطويل الأجل وشديد للبيئة الطبيعية يكون إفراطه واضحا بالقياس إلى مجمل المكاسب 
 "استخدام الأسلحة المسممة".18و 17 العسكرية المتوقعة الملموسة المباشرة ". ينضاف 

 إذن واضح أن انعقاد الاختصاص للمحكمة يبقى رهين ارتكاب الإضرار بمختلف عناصر البيئة متى تم ذلك في إطار جرائم الحرب. 
 بمعنى أن فعل التعدي غير العمدي بعناصر البيئة، بعيدا عن جرائم الحرب، لا يقع الاختصاص للمحكمة الجنائية الدولية بمفهوم مواد نظام روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية. 
 وعلى اعتبار أن الجريمة البيئية الدولية باتت تعتبر من أخطر الجرائم التي تثير قلقا للمجتمع الدولي بأسره، بالنظر لما تخلفه من آثار وضحايا كما تقدم معنا سلفا، ولذلك نهيب بالدول الأعضاء/الأطراف في النظام الأساسي وغيرهم، من أن تعقد العزم من أجل بلوغ هذه الغايات لما فيه صالح الأجيال الحالية والمقبلة، على إنشاء محكمة جنائية دولية دائمة ومستقلة تعنى بالنظر في جرائم البيئة. 

خاتمة 

  لاشك أن الإجرام البيئي أضحى من الموضوعات التي تفرض نفسها ضمن المنظومة التشريعية والفقهية، بالنظر إلى ما بلغته البيئة من مكانة متميزة، وبالنظر إلى حجم الاعتداءات والأضرار التي أضحت تهددها، كما أن حماية البيئة أضحت تفرضه برامج استراتيجية للدول، حيث تأخذ بعين الاعتبار البعد البيئي كمعيار حقيقي للتنمية المستدامة، حيث برزت كمفهوم جديد في التعامل مع القضايا البيئية، مما يؤكد وعي المشرع بضرورة حماية حق الإنسان في العيش في بيئة سليمة ومتوازنة، هذا الحق الذي باتت تهدده الجرائم البيئية باتخاذها للمجال البيئي موضوعا لها. 
  وبذلك يمكن القول أن المشرع المغربي أصبح يولي مسألة حماية البيئة اهتمام أكبر يبعث على التفاؤل، على أساس أنه يمكننا يوما ما أن نجعل من المحافظة على البيئة من ضمن الأولويات الأساسية للدولة إلى جانب الصناعة والتجارة والتكنولوجيات الحديثة..، والضرب بشدة على أيدي المفسدين اقتداء بتشريعات أكثر تطورا في الميدان. 
  إن وضع سياسة حقيقية يستلزم التوفر على إطار قانوني ملائم على مستوى الشكل والجوهر، وهذا الأخير تفتقده السياسة التشريعية الجنائية البيئية، والتي سنحاول من خلالها تقديم بعض المقترحات. 
  ما يميز المنظومة القانونية للبيئة، بالإضافة لطابعها القطاعي، هو قدم النصوص البيئية    نص قانوني ينظم المجال البيئي،500 وكثرتها، إلى حد أصبحت مشتتة إذ أن عددها يفوق 
مما يصعب الإلمام والإحاطة بها من قبل الأجهزة المكلفة بالمتابعات الجنائية. 
  وكما يظهر فإن عملية تحديث وعصرنة التشريع البيئي تستدعي إعمال المقترب الشمولي عند التأطير القانوني لمجالات البيئة، والابتعاد عن المقاربة التجزيئية والقطاعية التي تهيمن على مضمون التشريع البيئي لصالح مقاربة شمولية مندمجة تجعل من البيئة مجموعة من المجالات المنسجمة والمتماسكة والموحدة، لذلك فإن الحاجة تظل قائمة لإعداد مدونة قانونية بيئية موحدة، يمكن تسميتها ب "مدونة البيئة" وتضم مجالات بيئية "كالغابات والنباتات والمساحات الخضراء والموارد الطبيعية والتعمير والمآثر التاريخية والبيئة البحرية والهواء، على أن تضم هذه المجالات نصوصا منسجمة ومتكاملة، لذلك من المفيد أن يتضمن كل مجال ما له علاقة بتنظيم مجال بيئي محدد، وذلك بشكل منسجم ومتكامل، فعلى سبيل المثال لا الحصر حماية الموارد المائية هو مجال يرتبط بقوانين التعمير وحماية جودة الهواء ومكافحة التلوث الصناعي وتدبير النفايات، بيد أن إعداد مدونة قانونية بيئية ينبغي أن يأتي بعد تحديث وتحيين القوانين المرتبطة بمختلف الميادين البيئية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قالب تدوينة تصميم بلوجرام © 2014